نص جون لوك ـ تحليل و مناقشة

 

"لكي نهتدي إلى ما يكوّن الهوية الشخصية لابد لنا أن نتبين ما تحتمله كلمة الشخص من معنى. فالشخص، فيما أعتقد، كائن مفكر عاقل قادر على التعقل والتأمل، وعلى الرجوع إلى ذاته باعتبار أنها مطابقة لنفسها، وأنها هي نفس الشيء الذي يفكر في أزمنة وأمكنة مختلفة. ووسيلته الوحيدة لبلوغ ذلك هو الشعور الذي يكون لديه عن أفعاله الخاصة. وهذا الشعور لا يقبل الانفصال عن الفكر، بل هو، فيما يبدو لي، ضروري وأساسي تماما بالنسبة للفكر، مادام لا يمكن لأي كائن [بشري]، كيفما كان، أن يدرك إدراكا فكريا دون أن يشعر أنه يدرك إدراكا فكريا.عندما نعرف أننا نسمع أو نشم أو نتذوق أو نحس بشيء ما أو نتأمله أو نريده، فإنما نعرف ذلك في حال حدوثه لنا. إن هذه المعرفة تصاحب على نحو دائم إحساساتنا وإدراكاتنا الراهنة، وبها يكون كل واحد منا هو نفسه بالنسبة إلى ذاته، وفي هذه الحالة لا نأخذ في الاعتبار ما إذا كانت الذات نفسها تبقى مستمرة في الجوهر نفسه أو في جواهر متنوعة. إذ لما كان الشعور يقترن بالفكر على نحو دائم، وكان هذا هو ما يجعل كل واحد هو نفسه، ويتميز به، من ثم، عن كل كائن مفكر آخر، فإن ذلك هو وحده ما يكون الهوية الشخصية أو ما يجعل كائنا عاقلا يبقى دائما هو هو. وبقدر ما يمتد ذلك الشعور بعيدا ليصل إلى الأفعال والأفكار الماضية، بقدر ما تمتد هوية ذلك الشخص وتتسع. فالذات الحالية هي نفس الذات التي كانت حينئذ، وذلك الفعل الماضي إنما صدر عن الذات نفسها التي تدركه في الحاضر."

- See more at: http://www.philopress.net/2013/11/blog-post_6188.html#sthash.AJoN7MAt.dpuf

التحليل و المناقشة:


 

لدينا مقدمة تتكون من تمهيد و إشكالات.

التمهيد يحيل على المجزوءة و المفهوم و القضية، و يطرح مفارقة { الشخص يتغير في مراحل عمره، لكن يوجد ما هو جوهري و ثابت}

الإشكالات تراهن على إيجاد حل للمفارقة...

 

 

 


من المفيد استثمار البنية المفاهيمية و الحجاجية في تحليل النص و التوسع في شرح أفكاره و إيجاد العلاقات القائمة بين هذه الأفكار.










































المناقشة لا تتطلب مراكمة المواقف و التصورات بشكل عشوائي لا يخضع لأي منطق أو منهجية، و إنما استثمارها باعتبارها مكتسبات سابقة يمكن توظيفها بهدف خلق حوار من النص قيد الدرس...

إن المواقف و التصورات الفلسفية ليست مطلوبة لذاتها، بل هي مطلوبة باعتبارها معينات تساعد على خلق نقاش حول قضية ما...

عندما ننظر إلى واقعنا البشري أو وضعنا البشري1محاولين فهمه، و كشف الحجاب عن حقيقته، نجد الكثير من القضايا و الإشكالات التي يثيرها هذا الواقع... تبدأ من محاولة فهم الذات ذاتها، أي فهم الإنسان باعتباره شخصا2يمتلك خصائص تمنحه هوية3 خاصة... و عندما نتأمل في واقع هذا الإنسان ـ الشخص نجده يمر بمراحل في عمره يبدو من خلال المقارنة بينها أن الكائن البشري يتغير كثيرا و على مستويات عدة... لكن على الرغم من هذا التغير يبدو أن هنالك شيئا ما يظل ثابتا و جوهريا يجعل الإنسان الذي كان في الماضي هو ذاته الموجود حاليا، و يمنحه بالتالي هوية... سيكون من المشروع التساؤل حول أساسها.فما هو إذن أساس هوية الشخص؟ و ما الذي يجعل شخصا ما هو هو حسب صاحب النص؟ و كيف يدافع صاحب النص عن تصوره؟ و ما هي حدود هذا التصور؟

من خلال الفهم الذي تتيحه القراءة الفاحصة للنص يتبين أن صاحبه يريد التأكيد على أن أساس هوية الشخص هو الفكر المرتبط بالشعور4 أو التجربة الحسية للشخص و التي تجعله يشعر بذاته و يدركها في كل مكان و كل زمن.و يفهم من ذلك أن الخاصية الجوهرية و الثابتة التي تجعل شخصا، أي ذاتا مفكرة مريدة و حرة مطابقة لذاتها في كل الأحوال هو هذا الفكر الذي يقترن بالشعور الذي للإنسان عن ذاته...

 

و للدفاع عن تصوره ينطلق صاحب النص في البداية منالتأكيد على فكرة أساسية يجعل من خلالها تحديد الهوية الشخصية مشروطا بتعريف الشخص، و معنى ذلك أن تحديد أساس تقوم عليه الهوية الشخصية يرتبط بشكل وثيق بإعطاء معنى أو دلالة واضحة لمفهوم الشخص. هكذا إذن يكون الجواب عن السؤال: ما هو الشخص؟ هو المدخل لفهم أساس الهوية الشخصية5ثم بعد ذلك يعرف صاحب النص الشخص بأنه ذات مفكرة، أي أنه ذات تقوم بمجموعة من العمليات العقلية كالتفكير و التأمل و الاستدلال و التذكر... و يتبين من خلال هذا التعريف أن أساس هوية الشخص هو التفكير...6 لكن أي تفكير يقصد صاحب النص؟ إنه يؤكد أن الأمر يتعلق بالتفكير الذي يقوم به الإنسان بالاعتماد على الشعور... إنه إذن التفكير الذي يكون للذات شعور بأنها تقوم به. و لذلك ينفي صاحب النص أن يكون هنالك تفكير دون شعور، مما يثبت العلاقة الاتصالية بينهما. فالإنسان يفكر ما دام لديه شعور بأنه يفكر7و يفسر صاحب النص كيف ان الإنسان لا يمكنه أن يفكر دون شعور بذلك، فالإنسان عندما ينجز عملية فكرية ما يشعر بذلك... عندما يفكر أو يتأمل أو يستدل يشعر بأنه يقوم بذلك... إضافة إلى ذلك يفسر صاحب النص من خلال أمثلة تتعلق بأفعال حسية و أفعال عقلية أن إدراك الإنسان لأفعاله هو إدراك يصاحب فيه الشعور التفكير على نحو دائم... فإدراك السمع و التذوق و البصر... إضافة إلى التأمل و الإرادة... لا يتم إلا من خلال الشعور الذي لدى الإنسان حول ما يقوم به من أفعال8.لذلك يستنتج9 صاحب النص أن " الشعور المرافق للفكر ...هو ما يجسد الهوية الشخصية"... و ما يجعل شخصا ما يظل هو هو و مطابقا لذاته دائما، و حتى عندما يتعلق الأمر بالأفعال الماضية فالذات التي توجد في الحاضر هي التي أنجزتها و يمكنها الشعور بذلك من خلال الذاكرة...    

 

إذا كان صاحب النص يؤكد على أن الفكر المتأسس على الإحساس هو مصدر هوية الشخص، سواء كان الإحساس خارجيا عن طريق الحواس، أو داخليا عن طريق أفعال العقل و أهمها الذاكرة.  فما هي حدود هذا التصور؟ ألا يمكن مناقشته و إعادة النظر فيه؟

إن ربط الهوية الشخصية بالإحساس قد لا يكونأساسا مضمونا مادام الإحساس لا يتميز بالثبات الذي تحتاجه الهوية باعتبارها تشير إلى جوهر ثابت. فالإحساس المرتبط بالحواس يعتريه التغير و التبدل لأنه مرتبط بواقع غير مستقر، و لأنالحواس كما تعلمنا الديكارتية خادعة. و لذلك نجد أساس الهوية الشخصية لدى ديكارت مبنيا على الفكر الخالص لأنه مجرد عن الإحساس...
أما القول مع لوك بامتداد الهوية إلى الماضي عن طريق الذاكرة فهو قول يمكن دحضه و تفنيدهعلى اعتبار أن "ضربة واحدة على الرأس كافية لمسح الذاكرة" على حد تعبير لاشوليي، كما أنهناك أمراض نفسية و عقلية تشهد بإتلاف الذاكرة مما يترتب عنه نفي اعتبار الذاكرة أساسا للهوية الشخصية.  

من جهة أخرى ألا يؤدي القول بأن الفكر المقترن بالإحساس هو أساس الهوية الشخصية، إلىاستبعاد إرادة الإنسان؟ هذه الإرادة التي يعتقدشوبنهور أن الفكر تابع و خادم لها، لأنها إرادة حياة جبارة و قوية تمثل الطبع الأصيل في الإنسان..

يبقى موضوع الهوية الشخصية موضوعا يصعب الحسم فيه، لأنه موضوع فلسفي يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من حلول، و لأن الكائن البشري يعتبر غامضا بالنسبة إلى نفسه، ما دامت الأبعاد التي تدخل في تشكيله متعددة. و لذلك يمكن اعتبار الهوية منطقة رمادية غير واضحة المعالم، و "منزلا افتراضيا نشير إليه لشرح الكثير من الأمور... دون أن يكون له وجود حقيقي" كما قال ستراوس...   

 

1 ـ إحالة على المجزوءة.

2 ـ إحالة على المفهوم.

3 ـ إحالة على القضية التي تطرح إشكالا.

 

 

 

 

 

صوغ تساؤلات و إشكالات الموضوع.

 

 

4 ـ صوغ الأطروحة من خلال مفاهيمها الأساسية: الشخص، هوية الشخص، الفكر، الشعور... مع شرح الأطروحة.

 





إبراز حجاج النص من خلال الأساليب اللغوية و المنطقية للنص.

 

5 – شرح الفكرة الأولى.

 

 

 

6- شرح الفكرة الثانية من خلال استحضار أسلوب التعريف.

 

 

7- شرح الفكرة الثالثة من خلال استحضار اسلوبي التأكيد ثم النفي.

 

 

 

8- شرح الفكرة الرابعة باستحضار الحجة بالمثال..

 

 

9- شرح الفكرة الخامسة باستحضار الاستنتاج.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السؤال هنا هو فقط من أجل 

ربط التحليل بالمناقشة.  

 

 

 

محاورة جون لوك لتأكيد محدودية التصور الذي يدافع عنه، و تأكيد وجود إمكانيات أخرى للجواب.

 

المحاججة بعدم كفاية الإحساس، و استحضار المكتسبات السابقة{ديكارت}.

 

 

 

 

إعادة النظر في الذاكرة من خلال أمثلة واقعية، و من خلال استشهاد {لاشوليي}.

 

 

 

 

مناقشة لوك  باستحضار مكتسب سابق { شوبنهور}

 

 





خلاصة تشير إلى صعوبة الحسم في الموضوع لأنه ليس موضوعا بسيطا  بل معقدا و مركبا...

 

See more at: https://www.facebook.com/falsaftyi


السؤال الفلسفي : نموذج تطبيقي

السؤال الفلسفي : نموذج تطبيقي

هل يمكن الاستغناء عن المنهج التجريبي في بناء النظرية العلمية؟

 

اشتهر المنهج التجريبي مع فرنسيس بيكون، و عرف اكتماله كمنهج علمي دقيق و منظم مع كلود برنار ، و ترتبط النتائج الهائلة التي عرفتها العلوم الطبيعية على وجه الخصوص باعتماد هذا المنهج القائم على الملاحظة، الفرضية، التجربة ثم الاستنتاج. و من بين أهم الإشكاليات الابستمولوجية التي يثيرها هذا المنهج الإشكال المتعلق بمدى إمكانية الاستغناء عنه و حدود هذا الاستغناء عندما يتعلق الأمر ببناء نظرية علمية ما. فهل يمكن الاستغناء عنه؟ و ما حدود إمكانية ذلك؟

يحتمل السؤال أعلاه جوابين مختلفين، إذ يبدو المنهج التجريبي ضروري لكن ليس بإطلاق، لا يمكن الاستغناء عنه ضمن أطر معينة، لكن يمكن أن يصبح عائقا في وجه تقدم العلم ضمن شروط و أطر أخرى.

إن المنهج التجريبي ضروري ، و لا غنى عنه عندما يتعلق الأمر بظواهر طبيعية تحتاج ـ بالضرورة ـ إلى الملاحظة و التجريب العلمي… و هذا ما يمكن أن نلمسه من خلال النماذج التي تقدمها الفيزياء الكلاسيكية في هذا الإطار ، إضافة إلى علوم الكائنات الحية، و عموما ما يسمى بالعلوم الطبيعية، حيث يجد العالم نفسه أمام ظواهر مادية تحتاج إلى الإدراك الحسي، و هذا يتطلب أن يكون العالم ملاحظا أولا ، ينطلق في تعامله مع الظاهرة بصريا، أي أنه يلاحظ ثم تتولد في ذهنه فكرة حول الظاهرة ، فيلجأ إلى الافتراض الذي لا تكون له قيمة علمية إلا إذا تم الرجوع مرة أخرى إلى الواقع من أجل إنجاز تجربة تؤيد ما تم افتراضه… هكذا إذن يكون المنهج التجريبي ضروري و لا يمكن الاستغناء عنه في هذا الإطار… و كمثال على ذلك يمكن أن نستحضر ظاهرة سقوط الأجسام ، كظاهرة طبيعية في إطار الفيزياء الكلاسيكية، إذ لا يمكن بناء نظرية مفسرة لهذه الظاهرة إلا إذا اعتمدنا خطوات المنهج التجريبي. فمع غاليلي مثلا ، خصوصا علاقة سقوط الأجسام بالوسط الذي يتم فيه السقوط ، فقد لاحظ أجساما من كتل مختلفة تسقط و تتفاوت سرعة سقوطها، فافترض أن الوسط يلعب دورا على هذا المستوى، ثم قام بتجارب تنويع الوسط ، ليستنتج أن الوسط له تأثير على سرعة سقوط الأجسام، و بالتالي فجميع الأجسام تسقط في الفراغ [ غياب مقاومة الوسط] في نفس الوقت و بنفس السرعة…

و يقدم تاريخ العلم أمثلة عديدة ،في هذا السياق، تؤكد أن المنهج التجريبي لا غنى عنه، ما دمنا أمام ظواهر ووقائع مادية تتطلب أن يكون الواقع هو المنطلق [الملاحظة] و هو المنتهى [التجربة]. يقول كلود برنار في تعريفه للنظرية العلمية: ″إن النظرية العلمية ليست شيئا آخر عدا الفكرة العلمية المراقبة من طرف التجربة″ ، فإذا كان العالم من خلال المنهج التجريبي يلاحظ ثم يفترض فإن الافتراض يظل مجرد تصور لا يرقى إلى درجة العلمية و لا يساهم في بناء النظرية العلمية إذا لم تؤيده التجربة.. و هي الفكرة ذاتها التي نجدها عند بيير دوهايم الذي يرفض تأسيس النظرية الفيزيائية على التفسير العقلي لأنه يجعلها تابعة للفلسفة و كأنه يستعيد مقولة نيوتن ″ أيتها الفيزياء حذار من الميتافيزياء ″ … فحسب دوهايم ″ النظرية الفيزيائية نسق من القضايا الرياضية المستنبطة من عدد قليل من القوانين التجريبية″، إن التجربة حسب هذا التصور هي التي تؤكد مدى صحة أو خطأ ما يستنبطه العالم الفيزيائي. 

يبدو إذن أن التصورات التجريبية عموما تؤكد على أهمية و ضرورة المنهج التجريبي، لكن إلى أي حد يمكن قبول هذه الفكرة؟ ألا يمكن الادعاء بأن المنهج التجريبي ليس ضروريا و بالتالي يمكن الاستغناء عنه؟

نستطيع العثور على الجواب مع اينشتاين من خلال سؤاله التالي : ″ إذا كانت التجربة هي مبتدأ و منتهى معرفتنا بالواقع ، فأي دور تبقيه للعقل في مجال المعرفة العلمية؟″. إنه سؤال يشكل بصيغة لا تقبل الـتأويل انتقادا مباشرا و صريحا للمنهج التجريبي و للأسس التي يقوم عليها. و يتطلب فهم هذا الانتقاد وضعه في سياقه في تاريخ تطور المعرفة العلمية، و يرتبط هذا السياق بتغير موضوع المعرفة العلمية ـ خصوصا الفيزياء ـ من موضوع مادي واقعي إلى موضوع نظري أو على الأقل ميكروفيزيائي لا يقبل تطبيق خطوات المنهج التجريبي عليه. فالإلكترون مثلا لا يمكن رؤيته بالعين المجردة و لا حتى بالمجهر و بالتالي لا يمكن أن تطبق عليه أولى خطوات المنهج التجريبي و هي الملاحظة، و ما دام الأمر كذلك فلا يمكن تطبيق باقي الخطوات الأخرى مما يعني إمكانية الاستغناء عن المنهج التجريبي.و بالفعل فمع التقدم الذي عرفه العلم ظهرت الفيزياء النظرية كتخصص نظري لا يعتبر الواقع مرجعا مهما بالنسبة إليه، بل أصبح الأساس هو العقل من خلال ما يقوم به من عمليات تقوم على الافتراض، الاستنباط، التخيل، الترابط المنطقي و إبداع وقائع جديدة… فالنظرية التي تمتلك صفة العلمية هي تلك التي لا وجود لتناقض منطقي على مستوى بنائها، و ليس تلك المؤسسة على الوقائع التجريبية.إن المنهج المناسب في هذه الحالة ليس المنهج التجريبي ، بل المنهج الفرضي ـ الاستنباطي. في هذا الصدد يمكن استحضار روني طوم الذي يعطي أهمية للخيال العقلي، خصوصا وأن مفهوم الواقع ذاته قد عرف تغيرا كبيرا ، فلم يعد ذلك الواقع المادي المدرك حسيا، بل أصبح واقعا افتراضيا متخيلا يبنيه العالم في ذهنه، و لا يحتاج لأية أداة حسية مادية.

و بعيدا عن النظريات الفيزيائية توجد مجالات نظرية لا يستطيع المنهج التجريبي ولوجها و تستغني عنه بشكل كامل، و هذا ما نجده في ما يسمى بالعلوم الصورية كالرياضيات و المنطق حيث يكون العقل سيد الموقف و لا يعترف للمنهج التجريبي بأية قيمة تذكر. و من هنا فالنظريات في هذه المجالات تستطيع الاستغناء عن المنهج التجريبي كليا، و يكون بناؤها عقليا خالصا، ينطلق من العقل و ينتهي إليه…إن العالم هنا ينطلق من معطيات أو فرضيات أو مسلمات و يستنبط منها نتائج مترتبة عنها منطقيا دونما اعتبار للواقع التجريبي.

و ختاما يمكن القول بأن المنهج التجريبي لا يمكن الاستغناء عنه عندما يتعلق الأمر بموضوع أو ظاهرة طبيعية مادية محسوسة، لكن عندما يتعلق الأمر بموضوع نظري صوري فهذا يتطلب إبداع منهج عقلي يقطع كل صلة بالتجريب العلمي بمعناه الكلاسيكي… إن طبيعة الموضوع إذن هي التي تحدد طبيعة المنهج.  

 

- See more at: https://www.facebook.com/falsaftyi

تحليل نص فلسفي نموذج تطبيقي
يمكن تصنيف الحاجات تحت ثلاثة أبواب : البيولوجية والاجتماعية والنفسية .


فأما "الحاجات البيولوجية" فهي تلك التي تعتمد على خصائص الإنسان الجسمية، وهي تضم عناصر معينة كحاجة الإنسان إلى الغداء والمسكن والى الحماية من الأعداء من غيره من بني الإنسان أو من الحيوان، وحاجته الى التناسل لتخليد النوع. وهذه الحاجات يشترك فيها الإنسان والحيوان، وهي في طبيعتها ملحة ويجب أن تلبى في الحال...


وأما "الحاجات الاجتماعية" للكائنات البشرية، فتنشأ من تعود الإنسان العيش في جماعات. وهناك ولا ريب، حاجات مماثلة تظهر بأشكال بدائية جدا عند الحيوانات التي تميل إلى التجمع على شكل قطعان، ولكن هذه الحاجات تكتسب أهمية أكبر جدا عند الإنسان منها عند الحيوان بسبب الاعتماد الوثيق المتبادل بين أعضاء المجتمع البشري.....


وأخيرا، نأتي إلى "الحاجات النفسية" وهذه حقيقية وإن كان من الصعب جدا تعريفها. فمن أهم وظائف أية ثقافة هي إدخال السعادة والرضا على نفوس الناس الذين يشتركون فيها. وتشعر جميع الكائنات البشرية برغبة الحصول على استجابات مشبعة من الأفراد الآخرين، وفي الحصول على أشياء يتعذر تحقيقها ( أو ووسائل سهلة لتحقيق هذه الأشياء)، كما تشعر بالحاجة إلى منافذ لمشكلاتهم السيكولوجية... ومهما يكن من أمر، فان هذه الحاجات في ذاتها غامضة وعامة وتتأثر بالتهيئة الثقافية للفرد، كما أن الاستجابات لها في الثقافات المختلفة تتباين تباينا لا حد له.

السؤال: حلل النص وناقشه





المرجع : في رحاب الفلسفة – السنة الأولى من سلك الباكلوريا- مسلك الآداب والعلوم الإنسانية ص:29



نموذج تحليل نص فلسفي







من البديهي أن سلوك الإنسان لا يصدر بالجملة عن وعي شفاف دائم الحضور، ولا تحكمه إرادة واعية فحسب بل توجهه أيضا دوافع لاواعية وتحركه أهواء ورغبات منفلتة تؤكد أن الإنسان ليس كائنا ثقافيا واعيا فقط بل هو أيضا كائن طبيعي، منفعل وراغب إذن: ما طبيعة الرغبة الإنسانية ؟ وما علاقتها بالحاجة هل هناك استمرارية أم قطيعة بينهما؟

كإجابة على الإشكال المطروح يسعى صاحب النص الى إثبات فكرة مضمونها أن الحاجات الإنسانية متنوعة إذ يمكن تصنيفها تحت ثلاثة أبواب : بيولوجية، اجتماعية ونفسية وتقوم ثقافة المجتمع على توجيه رغبات الإنسان وتهذيبها بواسطة مؤسساته وقيمه. وللدفاع عن موقفه اعتمد بنية حجاجية أساسهاالتقسيم والمقارنة حيث استهل النص بتقسيم الحاجات الإنسانية إلى ثلاثة  أصناف تتمثل في: الحاجات البيولوجية، الاجتماعية ثم أخيرا الحاجات النفسية. فالأولى في رأيه ترتبط بالجانب المادي (البيولوجي) للإنسان ويشترك فيها هذا الأخير مع الحيوان وتتسم بالضرورة والحتمية على أساس أن استمرارية الكائنات الحية متوقفة على إشباعها وتلبيتها ولتدعيم فكرته وظف مجموعة من الأمثلة تجسد الطابع الإلحاحي لهذه الحاجات : كالحاجة الى الغداء ، المسكن، الحماية ، التناسل...، أما الثانية أي الحاجات الاجتماعية فتتمظهر بشكل واضح في إطار الجماعات البشرية وذلك بفضل العلاقات الوثيقة القائمة بين أعضائها، لكن الحديث عن وجود هذه الحاجات بشكل متميز عند الإنسان واتخاذها لأشكال مختلفة بفضل تباين الثقافات وتنوعها لايلغي حضورها في الجماعات الحيوانية وان كان بأشكال بدائية وبسيطة حيث تميل هذه الأخيرة الى التجمع على شكل قطعان، وأخيرا تبقى الحاجات النفسية حسب تصور صاحب النص من أبرز الحاجات وأكثرها تعقيدا وتميزا ،إذ يشير إلى أنه من الصعب تحديدها ولكن يؤكد في نفس السياق أن كل إنسان يرغب في الحصول على استجابات مشبعة من الآخرين مما يتيح له إمكانية حل بعض مشاكله النفسية (السيكولوجية) وبالتالي بلوغ السعادة، ويلعب دائما المجتمع في هذا الإطار دورا هاما حيث يعمل من خلال مؤسساته وقيمه على تحديد كيفية إشباع هذه الحاجات التي تتحول في مجملها الى رغبات وما دام من البديهي أن الثقافات مختلفة ومتباينة فان ذلك يقود لامحالة الى تباين واختلاف طرق إشباع تلك الرغبات وبالتالي يمنحها نوع من الخصوصية، التميز والتجديد.

ترتيبا على ماسبق يتبين أن الحاجات الإنسانية باختلاف أصنافها تتحول في  مجملها الى رغبات وذلك بفضل تدخل المجتمع من خلال آلياته، مؤسساته وقيمه هذه الأخيرة التي تضفي على حياة الإنسان طابعا خاصا يتسم بالتنوع والتجديد لكن هل يمكن الاقتصار على الجانب الاجتماعي الثقافي في رصد وفهم طبيعة العلاقة بين الحاجة والرغبة ألا يلعب الجانب النفسي دورا في تحقيق نظرة تتسم بالشمولية والكلية فيما يخص هذا الموضوع؟

في نفس السياق أكد الأنثروبولوجي الأمريكي" رالف لنتون" في مؤلفه "دراسة في الإنسان" أن المجتمع من خلال ثقافته وقيمه يلعب دورا هاما في تحويل كل  الحاجات البيولوجية الى رغبات وذلك من خلال تقديم مثال" اللباس" الذي لم يعد من منظوره مجرد وسيلة لتحقيق وظائف بيولوجية وهي حماية الجسم من العوامل الخارجية (الحر والبرد) بل أصبح قادرا على تحقيق جملة من الوظائف الرمزية من بينها تمييز ثقافة عن أخرى ، تحديد مكانة الفرد داخل محيطه الإحتماعي، أضف إلى ذلك أنه أصبح موضوعا لإثارة اهتمام الجنس الأخر وتحريك رغباته الجنسية ناهيك عن كونه يوفر منفذا للميول الجمالية ويساعد على إشباع الرغبة في الحصول على إعجاب الآخرين.إن اللباس إذن تأسيسا على ماسبق وبفضل المجتمع وثقافته تحول من مجرد حاجة بيولوجية فرضتها قسوة العوامل الخارجية الى مجال للتعبير عن الذات والقناعات الخاصة وأيضا الانتماء الى حقل ثقافي معين يقول لنتون : " إن مركب الملابس قد اكتسب عددا من الوظائف التي لاترتبط من قريب أو بعيد بالحاجة البيولوجية الأساسية، ولا تتأثر بتغير درجة الحرارة من فصل لأخر". 

إذا كانت الدراسات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية في مجملها قد ركزت على البعد الإجتماعي والثقافي في تفسير وفهم العلاقة القائمة بين الرغبة والحاجة فان الدراسات السيكولوجية اتخذت منحى أخر من خلال التركيز على البعد النفسي فقد أكدت المحللة النمساوية " ميلاني كلاين" أن العلاقة بين الحاجة والرغبة  علاقة نفسية لاشعورية تحكم حياة الإنسان وتوجهها في المستقبل إن هذا الطرح الذي قدمته كلاين جاء كحصيلة لمجموعة من الملاحظات والأبحاث الميدانية التي  استهدفت بالدرجة الأولى الرضع وكذا الراشدين مما سمح بالكشف عن مجموعة من الحقائق العلمية من بينها أن علاقة الطفل بثدي أمه لاتختزل في البعد البيولوجي (أي الحصول على الطعام) بل تتعدى ذلك لتتحول الى رغبة تتمثل في التخلص من الدوافع التدميرية والقلق الاضطهادي وفي إطار الحديث عن هذه العلاقة بين الأم وصغيرها أكدت "كلاين" على غرار " سيغموند فرويد" قيمة  الطفولة في بناء شخصية سوية إذ أشارت الى ضرورة اختيار الطريقة المثلى لإرضاع الطفل حيث ترى أن إرضاع هذا الأخير كلما بكى لايزيل عته قلقه بل يعمل على تعميقه لذا وجب الاعتماد على الطريقة المقننة مادامت تفسح المجال أمام الطفل للبكاء ومن ثم التعبير عن دوافعه وآلامه، إن السعي الدائم للأم من أجل إشباع حاجات طفلها قد يجعله يشعر بقلقها اتجاهه مما يعمق لديه نفس الشعور ويمنعه من التعبير عن ذاته من خلال البكاء إن هذه العلاقة الشيئية بثدي الأم قد تظل حاضرة عند بعض الراشدين مما يدل على أن هؤلاء لم تجد دوافعهم التدميرية منفذا للخروج من هنا تأكد " كلاين" إحباط بعض الرغبات عند الطفل وإرفاقها بتعزيزات وتشجيعات يفسح المجال له لتعبير عن ذاته بطرق عدة قد تتجسد مثلا في الأعمال الإبداعية كما تمكنه من اغناء شخصيته وتثبيت الأنا ومن ثم التكيف بشكل سليم مع العالم الخارجي.

لقد انتهى بنا مسار تحليل المشكل ومناقشته الى تأكيد التداخل والتماهي القائم  بيت الحاجة والرغبة وذلك بالرغم من تعدد زوايا النظر فالدراسات الأنثروبولوجية أكدت فكرة استحالة فصل الحاجات عن الرغبات من خلال التركيز على دور المجتمع وثقافته وهو النفس الطرح الذي أكدته الدراسات السيكولوجية مع التأكيد على البعد النفسي ولهذا لايسعنا في نهاية المضاف إلا التأكيد على ضرورة تحقيق نظرة شمولية نستحضر من خلالها كل الأبعاد التي يمكن أن تساهم في فهم طبيعة العلاقة بين الرغبة والحاجة إن الحديث عن هذا الموضوع الذي يلامس بشكل قوي حياة الإنسان سيدفعنا الى الانفتاح على إشكال جديد يمكن صياغته كالتالي : هل يمكن من خلال تحقيق مجمل حاجيات ورغبات الإنسان الوصول الى السعادة؟

مدونة فلسفتي ترحب بالإخوة الزائرين للمدونة ونرجو من الله أن المدونة وما فيها تحوز إعجابكم ومتمنين من الله الصحة والعافية لكل زوار وأعضاء المدونة إدارة المدونة

إذا كنت تقرأ هذه السطور ، فهذا يعني أن عملية التسجيل كانت ناجحة وأنه يمكنك البدء في التدوين